متاحف ومعارض لندن العريقة

سلطان المطيري – الفائز بالجائزة الخاصة لمدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة لعام 2017
30/11/2017

متاحف ومعارض لندن العريقة

من خلال مدونتي هذه سآخذكم في رحلة استكشافية إلى لندن عاصمة المملكة المتحدة، ومناسبة الرحلة أنني ومجموعة من زملائي الباحثين، في برنامج “مستكشفو طاقة المستقبل”، فزنا بجائزة الملك عبدالله للطاقة الذّريّة والمتجدِّدة، هذه الجائزة تحتوي على عدة عناصر: مكافأة مالية، وحقيبة مشاريع الطاقة المتجددة، والرحلة الإثرائية الدولية، والتي تضمنت عدة زيارات لمتاحف ومعارض ومراكز علمية شهيرة، فتعالوا معنا في الزيارة الأولى من هذه الرحلة العجيبة!..

رحلتي إلى متحف العلوم “Science Museum”

بدأت رحلتنا الأولى عندما انتصفت الشمس قبة سماء لندن في يوم 17/ 8 من الفندق إلى متحف العلوم العريق، وفي المتحف كان أكثر الأقسام الذي شد انتباهي، “قسم الفضاء” حيث رأينا صواريخ فضائية حقيقية من ناسا، ومجسماً ضخماً للكرة الأرضية يدور بنفس سرعة دوران الأرض حول محورها، في محاكاة جميلة رائعة، ثم بعض التفاصيل من حياة رائد الفضاء: طعامه وشرابه ونشاطه في الكبسولة، وبحوثه العلمية، وكل شؤونه حتى الاستحمام وقضاء الحاجة.

ثم انتقلنا إلى قسم صناعات العالم الحديث، حيث رأينا كيف تم ابتكار أوائل الاختراعات التي تعتمد عليها الآلات الحديثة، ونماذج حقيقية مثل المحركات والآلات البخارية! وتعجبنا لكل ابتكار حديث نراه ونستخدمه في حياتنا اليومية، نشأ عن فكرة بسيطة جداً قبل مئات السنين.

ثم ذهبنا لقسم من أنا؟ فرأينا فيه بديع خلق الله في الإنسان، وكيف أن تصرفاتنا واختياراتنا في الحياة، تعتمد على بعض النقاط في الدماغ والتي يعرفها جيداً علماء النفس، وتعتمد أيضاً على الحالة النفسية للإنسان وحالته الاجتماعية والظروف والتجارب التي مرَّ بها الإنسان، والمشابهة لتلك التي يتم سؤاله عنها، ودُهشت كثيراً من أن العقل لا يختار بإرادته المجردة وحدها بل استناداً إلى تلك النقاط المعروفة.

محطتنا التالية كانت في قسم الغلاف الجوي حيث رأينا كيف تغيرت مكونات الغلاف الجوي مع مرور مئات ملايين السنين، وتأثير التغيير المناخي على الغلاف الجوي، فقد اختلف سُمْك وارتفاع بعض الطبقات، تغيراً كبيراً جداً على مر السنين، وازدادت درجات الحرارة، واختفت بعض البحيرات، مما أدى إلى ظاهرة الاحتباس الحراري.

ثم انتقلنا من بعد ذلك لقسم أنت مهندس مستقبلك حيث شاهدنا فيه كيف ستكون الحال عندما تعتمد المنازل على الطاقة المتجددة وجربت مع زملائي كيف نزود المنازل بالأنواع المختلفة من الطاقة المتجددة.

محطتنا التالية كانت إلى قسم الطيران (Fly Zone) حيث رأينا محركات حقيقية وطائرات قديمة وحديثة من الحرب العالمية الثانية، حيث عشنا تجربة التحليق المجسم (3D) مع طياري (Red Arrows) وكان شعورنا رائعاً، فقد حلقنا كأننا أفراد من ذلك السرب الذي يستعرض ويتقلب في السماء. ثم حظينا بالتجربة المنتظرة حيث عشنا تجربة هبوط المكوك من محطة الفضاء الدولية إلى الأرض وتحديداً في كازاخستان بتجربة الواقع الافتراضي VR.

بعدها مررنا على قسم رحلات في مجال الطب فحظينا فيها بمتعة التعرف على تاريخ المعدات الطبية كالحقن الطبية والعلاجات والأدوية ومكتشفيها مع نبذة بسيطة عنهم. وأكملنا طريقنا بعدها باتجاه قسم الرياضيات (Mathematics) الذي رأينا فيه تاريخ الآلات الحاسبة والصرافات، وكم تعجبت من بساطتها، ولكنها كانت تعتبر في عهدها إنجازاً عظيماً.

وكانت استراحة الطاقة آخر محطاتنا، حيث لاحظنا في مطعم المعرض أن جميع الأطعمة التي كانت تُقدم لنا، عليها مقادير سعراتها الحرارية محسوبة بدقة، مما يدل على الاهتمام الجدي بالصحة قبل كل شيء…

لقد كان إحساسنا في تلك الزيارة جميلاً وصادماً بنفس الوقت، فرؤية كل تلك المعروضات من شتى المجالات، أشعرنا أن يوماً واحداً لا يكفي لزيارة هذا المتحف الكبير. وعدنا ونحن نشعر أن العلم يتجدد دائماً، وأنه مهما تقدم الإنسان وحيثما وصل بعلمه فالفضل يظل دائما من بعد الله للعلماء الأوائل الذين قدموا لنا الأسس الراسخة التي نبني عليها اليوم المعرفة الحديثة.

متحف العلوم

زيارتي إلى متحف التاريخ الطبيعي “Natural History museum”

بدأت زيارتنا الثانية في يوم 18/8 عندما انطلقنا من الفندق لننتظم في ذلك الطابور الطويل الذي ينتظر دوره في الدخول إلى المتحف، وبعد أن انتظرنا نصف ساعة تقريباً دخلنا المتحف، و صعدنا للدور العلوي حيث بدأت جولتنا هناك، وكان الدرج يحيط بكرة ضخمة مزينة بكريستالات جذابة. وكانت أولى المحطات بالمتحف قسم الزلازل والبراكين حيث عشنا تجربة محاكاة زلزال اليابان في عام 1995م، في أحد مراكز التسوق التي تعرضت للزلزال، رأينا خلال تجربة الشعور بالزلزال مقطع فيديو من كاميرات المراقبة، لذلك المركز الذي تعرض للزلزال ومشاهد مختلفة من ذلك الزلزال المدمر. فعلمت أن الزلزال عبارة عن لحظة خاطفة، يجب على المرء فيها أن يتصرف بأسرع وقت ممكن، ويبتعد عن الأشياء الثقيلة غير المستقرة. لقد كان إحساساً مدهشاً، ومروّعاً مخيفاً في نفس الوقت، وقد حمدت الله على نعمة الأمان والاستقرار في بلادنا حيث أن طبيعتها الهدوء الزلزالي.

ومن منطقة الزلازل إلى قسم المجوهرات وهناك تطرقنا إلى عملية صياغتها بشكل حلي قابلة للاستعمال وشاهدنا المجوهرات قبل وبعد صقلها وتحويلها إلى حلي وزينة فاخرة. ومن ثم رأينا كل أنواع المجوهرات المختارة من جميع أرجاء العالم، ورأينا تحفة نادرة تم جلبها من وطننا الغالي وهي عظام أحفوريه متحجرة من الربع الخالي، لاتقدر بثمن!

أكملنا الجولة برؤية قسم تاريخ الكون والمجرات وتاريخ الأرض والنجوم والأقمار و خصائص كواكب المجموعة الشمسية، مقارنة بخصائص الأرض. فالأرض كوكب لا يقارن بأي كوكب في المجرة. ورأينا عظمة خلق الله لها في أشياء مختلفة كالضغط الجوي والحرارة وكمية طبقة الأوزون الحافظة لها مما جعلها الكوكب الوحيد الصالح للحياة. وفي ما يتعلق بنظريات الكون وتاريخه، كنظرية الانفجار العظيم. والذي جذبني شخصياً المقارنة بين نظريتين متضادتين: نظرية الكم، ونظرية النسبية العامة.

ومن ثم انطلقنا لقسم تاريخ المخلوقات الحية من عصر الديناصورات إلى العصر الحديث الذي بناه الإنسان، وأدهشني أن الإنسان وتاريخه كله مجرد نقطة في بحر تاريخ الأرض الحيوي!.

 ومن ثم ذهبنا لساحة تاريخية تدعى المنطقة الخضراء (Green Zone) ودُهشنا من تصميمها الذي رغم أنه قديم إلا أنه قوي ومتماسك ومحتفظ بجماله. وساحة قديمة جداً منذ عام 1891 اسمها (Hintze Hall) تحوي على عدة مجسمات لعلماء بريطانيين عظام بتصميم جميل جداً.

المتجر كان آخر محطة، من محطات المتحف، إحساس جميل ومميز رافقنا طوال تلك الزيارة الرائعة، حيث كسبنا معرفة أكبر، ومشاهد أوسع، بقيت محفورة في قلوبنا وعقولنا، فقد رأينا بأم أعيننا العجائب والغرائب بدءًا من تلك المجوهرات النادرة العجيبة، إلى طبقات الأرض المتنوعة، إلى التواريخ القديمة المصورة والمجسدة في أجمل صورة، بالإضافة إلى تلك التجارب الجميلة، التي جربنا فيها كيف يكون شعور الإنسان عند وقوع الزلزال المدمرة.

المجموعة في متحف التاريخ الطبيعي

ثم لما اختتمنا زيارتنا الاستكشافية لهذا المتحف العريق، عدنا إلى فندقنا، وفي نفوسنا أجمل المشاعر، وأحدث العلوم، وأطيب الذكريات…